جلال الدين الرومي

408

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 553 - 568 ) : تدل الأبيات أن مولانا كان على دراية كبيرة بسيكولوجية الجماهير ، فالزعيم أو القائد إن ظهر كثيرا بين أتباعه يُبتذل ويُمل ، تقدم آراؤه ، وتستسخف لفتاته ونظراته ، وببساطة يستهلك تماما ، ولا تعود له نفس الجاذبية عند الجماهير ، ومن هنا فلا بد من أن يجدد " شوقها " إليه ، فيظهر على فترات متباعدة ، أو يختفى وفي حالة القيادة الدينية والمذهبية لا بد وأن يكون الأمر مصحوبا بجو ديني ومذهبي كالحالة التي بين أيدينا : لقد وضع الوزير الماكر بذور الفتنة ورواها ، ثم تركها تنمو وتختمر وتغلظ وتستوى ، واختفى في خلوة الممارسة الرياضية الصوفية ( بعض زعماء العصر الحديث يختفون قليلا ويقولون أنهم مختفون للتأمل مثلا ) وها هي جماهير العوام " كالأنعام " تجأر بالشوق إليه . . أنها تحس بدونه أنها عمياء لا ترى ، ولم لا وقد أخذ منها عيونها وحبسها معه في الخلوة . . فأصبحت بدونه كالأطفال حرموا الرعاية ( معظم زعماء العصر أقاموا دعايتهم وجاذبيتهم على أنهم آباء لشعوبهم من أول نابليون حتى أتاتورك وما بعد أتاتورك ، فساقوهم إلى الذبح ) وظمأى حرموا الماء الذي كان يحقنهم به صباح مساء ، الحكاية ليست حكاية تعصب ، إنها تقدم نموذجا لفن الخداع الجماهيرى الذي لم يصبح علما إلا في العصر الحديث ، انقلب الطالب إذن إلى مطلوب ، ومن ثم يدخل في مرحلة جديدة من مراحل الشعوذة وخداع الجماهير ، أي إضفاء هالة من القدسية على كل ما يقوم به ، وليس مكلفا بأن يقدم تبريرات بل عليه أن يتكلف بعض الحكمة ويصبها صبا في آذان الجماهير : فهي تشحذ فيهم الشوق وتضرم النيران ويمكن فيما بعد أن تصبح " أقوالا خالدة " للزعيم تدرس في المدارس وتكتب حولها الأبحاث . ( 569 - 580 ) : وهكذا يبدأ الوزير الحكيم في الحديث إلى الأتباع الذين برح بهم الشوق ، وبالرغم من أن الحديث الذي يقدمه إليهم عن لزوم الباطن بدلًا من أتباع الظاهر من الموضوعات النمطية التي خاض فيها مولانا جلال الدين كثيرا ، إلا أننا نجده عندما يسوق الحديث على لسان مدع يجعلنا نحس بأن الحديث بالفعل لا يعبر عما في الباطن ، وانه مجرد كلام ولا نميز تلك الروح الفياضة الشفافة التي تتجلى في هذه الأحاديث عندما يسوقها مولانا على لسانه أو على لسان شيخ مخلص : وهكذا فحديث الوزير هنا يبدو حديثا تعليميا جافا يفيض بالأدعاء : فهناك أذن